أحمد بن محمد ابن عربشاه
67
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
فلما سمع الحمار هذا الحوار رغب في الخلاص من الاقتناص « 1 » ، والبلاء الذي هو فيه ، والشقاء الذي يؤلمه ويؤذيه ؛ فسلم قياده إلى ابن آوى ، وقال : سر بنا إلى ما ذكرت من مأوى لئلا يرانا رصد ، أو يشعر بنا أحد ، ثم أعجلا في السير ، وأشبها في سيرهما الطير ، فتقدم الحمار سابقا وأعيا ابن آوى لاحقا ، فخدع وغالط وخلط وبالط « 2 » ، ونادى الحمار إلىّ إن كنت تعبت فاركب علىّ . فقال الحمار : بل أنت راكب ولا تتعب فظفر « 3 » ابن آوى على الحمار ، وصار لا يقر له قرار ، وابن آوى يهديه الطريق وهو في نهيق وشهيق . فلما قربا من الأجمة « 4 » ؛ فتح عينه ذلك الأكمه ، ورفع آذانه وبصره ؛ فرأى الذئب قاعدا منتظره ، فعرف إن تلك مكيدة نصبها ابن آوى لصيده . فقال : تأتى الخطوب وأنت عنها نائم . ثم استحضر عقله المفقود واستعمل عقله الموجود ، وعرف أنه غفل عن نفسه ، وقد سعى برجليه إلى رمسه « 5 » ، وانتقل من المرض الذي هرب منه إلى نكسه ، ومن خموله وذله إلى تعسه ونكسه ، فتردد متفكرا ، وأقام متحريا متحيرا ، فقال له ابن آوى : مالك أسرع ، فقد أحسن اللّه حالك ، وأمن فكرك ، وأنعش بالك ، وجعل إلى عافية الخير مآلك ؛ لئلا يدركنا أحد ، أو يلحقنا ضرر ونكد . فقال الحمار : يا أخي شاهدت قدود أغصان رشقة ونشقت روائح ريح عبقة ، وسمعت خرير الأنهار ، وأصوات البلابل والهزار « 6 » ، فندمت حيث
--> ( 1 ) أي المصيدة والشرك الذي نصب له . ( 2 ) بالغ في الخداع . ( 3 ) وثب . ( 4 ) الشجرة الكثيفة . ( 5 ) الهلاك . ( 6 ) الهزار : طائر صغير له صوت جميل .